ابن أبي الحديد

35

شرح نهج البلاغة

( صلى الله عليه وآله ) بصدقة ، فقال : هذه صدقه عليك وعلى أصحابك ، فلم يقبلها ، وقال : إنه لا تحل لنا الصدقة ، فرفعها ، ثم جاء من الغد بمثلها وقال : هدية هذه ، فقال لأصحابه : كلوا . واشتراه من أربابه ، وهم قوم يهود بدراهم ، وعلى أن يغرس لهم من النخيل كذا وكذا ، ويعمل فيها حتى تدرك ، فغرس رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ذلك النخل كله بيده إلا نخلة واحده غرسها عمر بن الخطاب ، فأطعم النخل كله إلا تلك النخلة ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " من غرسها " ؟ قيل : عمر ، فقلعها وغرسها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بيده فأطعمت ( 1 ) . قال أبو عمر : وكان سلمان يسف ( 2 ) الخوص وهو أمير على المدائن ويبيعه ويأكل منه ويقول لا أحب أن آكل إلا من عمل يدي ، وكان قد تعلم سف الخوص من المدينة . وأول مشاهده الخندق ، وهو الذي أشار بحفره ، فقال أبو سفيان وأصحابه لما رأوه : هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها . قال أبو عمر : وقد روى أن سلمان شهد بدر واحدا ، وهو عبد يومئذ ، والأكثر أن أول مشاهده الخندق ، ولم يفته بعد ذلك مشهد . قال : وكان سلمان خيرا ، فاضلا ، حبرا ، عالما ، زاهدا ، متقشفا . قال : وذكر هشام بن حسان عن الحسن البصري ، قال : كان عطاء سلمان خمسة آلاف ، وكان إذا خرج عطاؤه تصدق به ، ويأكل من عمل يده ، وكانت له عباءة يفرش بعضها ويلبس بعضها .

--> ( 1 ) بعدها في الاستيعاب : " من عامها " . ( 2 ) يسف الخوص ، أي ينسجه ، وفى اللسان : " وفى حديث أبي ذر ، قالت له امرأة : ما في بيتك سفة ولا هفة ، السفة : ما يسف من الخوص كالزبيل ونحوه " .